المقريزي
38
المقفى الكبير
ونثر وترسّل الترسّل البليغ . وكتب الخطّ المليح إلى الغاية . وعرف مصطلح الديوان المعرفة التامّة بحيث إنّه إذا أعطي كتابا إلى ملك من ملوك الأطراف كالهند واليمن والكرج والغرب ، وغير ذلك ، أخذ القلم وكتب في الحال من غير فكر ولا رويّة ولا مراجعة كتاب القائد ونعوته عن ظهر قلبه ، وأنشأ الكتاب في المعنى المقصود ، وأحسن إنشاء ، فكتب من التقاليد والتواقيع والمناشير والمكاتبات ما لا يدخل تحت حصر على هذه الوتيرة من غير أن يراجع منشوره . وما زال من أعيان كتّاب الإنشاء بقلعة الجبل إلى أن توفّي بهاء الدين أبو بكر ابن غانم ، فرسم له السلطان بأن يتوجّه إلى طرابلس مكان صاحب ديوان الإنشاء . فسار إليها من القاهرة في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة فرأس هناك وأحسن بالناس وسار سيرة مرضيّة ، إلى أن تولّى الأمير بيدمر البدري النيابة في أوائل سنة سبع وأربعين فعزل من كتابة سرّ طرابلس . وأقام بها إلى أن رسم له بالخروج ، فحضر إلى دمشق في أواخر السنة وأقام بها مدّة . ثمّ عاد إلى القاهرة . ثمّ أخرج إلى دمشق موقّع دست فسار إليها في رجب سنة إحدى وخمسين [ وسبعمائة ] . ومن نثره في وصف يوم ماطر : وهو مطر قامت له السماء ، وعامت الأرض لمّا كثر منه الماء ، ودامت به من اللّه الرحمة والنعماء ، وغابت تحت غمامه عين الشمس ، فما لها إشارة ولا إيماء . وتوالى كرمه إلى الرياض فله عند كلّ ساق يد بيضاء . إلّا أنّ الأرض تغيّر حالها ، واستقرّ في بطون الأرض ما أرسلته جبالها ، فتفرّق في الأرض غدرانها ، وروت حديثه السيول عن الحيا ، عن البحر ، عن جود مولانا ، كأنّما الأرض به سقيت فشفيت من بؤسها ، لا بل كأنّما أبو حفص هذه الأمّة استسقى اللّه بعبّاسها ، وأضحت فاكهة الشتاء كوجه المحبوب غير مملولة ، وأمنت سحبه القلوب وإن كانت [ 37 أ ] سيوف بروقها مسلولة ، وخمدت فيها كلّ نار إلّا نار قراك ، وغابت فيه الشمس ، ونحن نراك ، وما أطلق المملوك عنان القلم في هذه الكلم إلّا لما قيّد نفسه محبّة في ذراك . ومن شعره في مدح العلاء ابن الأثير [ الكامل ] : يا من به جمع الألوف مفرّق * ومفرّق العلياء فيه مجمّع يا من إذا وضع المكارم في الورى * أضحى له عمل زكيّ يرفع يا من يعيد مآثرا ومكارما * ما عدّهنّ عيينة والأقرع أبوابه محجوجة وجبينه * بدر وبطن الكفّ منه ينبع « 1 » وقال ملغزا في كتاب [ السريع ] : يا مبدعا في النظم والنثر * وفاضلا في علمه يثري ومودعا مهرقه كلّ ما * يزري بحسن الدرّ والتبر « 2 » إن أحكمت ألفاظه أصبحت * قواطعا تربي على البتر ما صامت ينطق إفضاله * وكاتم للسرّ في الصدر تصلحه الراحة لكنّه * يتعب في الطيّ وفي النشر قد أشبه البيض لكنّه * يحتاج يا ذا الفضل للسمر تفرّق الليل بأرجائه * كأنّه وصل على هجر يسير عن أوطانه دائما * للنفع في البرّ والبحر
--> ( 1 ) محجوجة : يحجّ إليها . ( 2 ) المهرق : القرطاس .